يرى الكاتب ويل ريبلي أن التطورات الدولية الأخيرة، خصوصًا الحرب ضد إيران واعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، تدفع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون إلى إعادة التفكير في علاقته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتراقب بيونغ يانغ باهتمام مسار التحركات العسكرية الأمريكية، بينما يحاول كيم تقدير المخاطر والخيارات المتاحة أمامه.


ويشير تقرير نشرته سي أن أن إلى أن وسائل الإعلام الرسمية في كوريا الشمالية أدانت الهجوم الأمريكي-الإسرائيلي على إيران ووصفت الحرب بأنها “عدوان”، لكنها تجاهلت خبر مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي وعدد من كبار القادة الإيرانيين. ويعكس هذا التجاهل طبيعة النظام السياسي في كوريا الشمالية الذي يحيط زعيمه بهالة من القوة المطلقة، إذ قد يثير نشر خبر اغتيال قائد أعلى في دولة أخرى تساؤلات خطيرة داخل المجتمع الكوري الشمالي حول أمن القيادة.


حسابات كيم بعد حرب إيران


يدرس كيم جونج أون، إلى جانب الدائرة الضيقة من القادة العسكريين والسياسيين، تفاصيل العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط. ويراقب هؤلاء سرعة انتقال دونالد ترامب بين الدبلوماسية واستخدام القوة، الأمر الذي قد يدفع كيم إلى التفكير في فتح قناة اتصال مع واشنطن.


ويستعد ترامب للعودة إلى آسيا خلال الأسابيع المقبلة لعقد قمة مع الرئيس الصيني شي جين بينج. ولا تشير المعلومات إلى لقاء محتمل مع كيم، غير أن بعض الخبراء لا يستبعدون حدوث تواصل غير مباشر أو لقاء مفاجئ.


ويرى الباحث تشاد أوكارول، مؤسس مجموعة “كوريا ريسك”، أن مصلحة كيم قد تدفعه إلى إجراء محادثات مع ترامب خلال العام الحالي، حتى لو اتخذت تلك المحادثات طابعًا شكليًا. ويعتقد أوكارول أن الهدف الأساسي يكمن في إدارة العلاقة مع رئيس أمريكي يتسم أسلوبه السياسي بدرجة عالية من عدم التوقع.


كما يلاحظ المراقبون أن كوريا الشمالية تابعت أيضًا حادثة اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية خاصة نفذتها القوات الأمريكية قبل أشهر. وبعد تلك العملية أطلقت بيونغ يانغ تجربة صاروخية، ورأى بعض المحللين أن الاختبار حمل رسالة سياسية. وفي الآونة الأخيرة أشرف كيم على تجربة إطلاق صاروخ كروز من المدمرة الجديدة “تشوي هيون”، غير أن الخبراء لم يحددوا بعد ما إذا ارتبط الاختبار مباشرة بالحرب في إيران.


منظومة أمنية معقدة لحماية الزعيم


تعطي القيادة الكورية الشمالية أولوية قصوى لحماية زعيمها، إذ تصنف أجهزة الاستخبارات في كوريا الجنوبية والولايات المتحدة نظام حماية كيم ضمن أكثر الأنظمة الأمنية تعقيدًا في العالم.


وتظهر لقطات رسمية حراسًا يحيطون بكيم خلال ظهوره العلني، ويحمل بعضهم حقائب خاصة تتحول إلى دروع واقية في حال إطلاق النار. كما تعتمد بيونج يانج إجراءات أمنية متعددة تشمل مواكب سيارات وهمية وتغيير مواقع الاجتماعات في اللحظة الأخيرة، إضافة إلى حلقات أمنية متداخلة تحيط بالزعيم.


وتشير تقارير عديدة إلى وجود شبكة واسعة من المخابئ والمنشآت السرية تحت الأرض في العاصمة بيونغ يانغ وفي جبال كوريا الشمالية. وتهدف تلك المنشآت إلى ضمان سلامة القيادة واستمرار السيطرة على الدولة خلال الأزمات أو الحروب.


ويرى بعض الخبراء أن كيم يشعر بثقة أكبر مقارنة بما كان عليه الوضع خلال عهد والده كيم جونج إيل عام 2003، عندما اختفى الأخير لفترة بعد غزو الولايات المتحدة للعراق ووضع واشنطن كوريا الشمالية ضمن ما سمي آنذاك “محور الشر”. أما كيم جونغ أون فيواصل الظهور العلني ويعتمد على منظومة أمنية معززة وقدرات عسكرية أكبر.


النووي والتحالفات وخيار الحوار


تعزز كوريا الشمالية اليوم موقعها الاستراتيجي بترسانة نووية يعتقد الخبراء أنها تضم عشرات الرؤوس الحربية. وترى بيونج يانج أن هذه القدرات تشكل عامل ردع رئيسيًا، إذ تعلن امتلاك صواريخ قادرة نظريًا على الوصول إلى الأراضي الأمريكية، رغم عدم اختبار بعضها بشكل كامل.


كما ينص التشريع الكوري الشمالي على حق استخدام السلاح النووي استباقيًا عند الضرورة، وتصف القيادة هذا الوضع بأنه “غير قابل للتراجع”. وإلى جانب القدرات النووية تحتفظ كوريا الشمالية بقوة مدفعية ضخمة موجهة نحو العاصمة الكورية الجنوبية سيول.


لكن بعض المحللين يؤكدون أن الردع النووي لا يوفر حصانة مطلقة، إذ أظهرت النزاعات الحديثة قدرة أجهزة الاستخبارات على اختراق الأنظمة المغلقة وجمع معلومات دقيقة عن تحركات القيادات.


وتعيد هذه التطورات إلى الأذهان تجربة قمة هانوي عام 2019، عندما التقى كيم وترامب في فيتنام على أمل التوصل إلى اتفاق نووي. آنذاك وصل كيم بثقة كبيرة، لكن المفاوضات انهارت فجأة وغادر الوفدان دون اتفاق.


بعد تلك القمة أعاد كيم ترتيب استراتيجيته، ثم اتجه لاحقًا إلى تعزيز علاقته مع روسيا في ظل الحرب في أوكرانيا. وقدم دعمًا عسكريًا لموسكو يشمل قذائف مدفعية وصواريخ، إضافة إلى إرسال آلاف الجنود، مقابل حصول بيونغ يانغ على الغذاء والوقود وربما تكنولوجيا عسكرية متقدمة.


ومع ذلك، تكشف الأزمة الإيرانية حدود التحالفات الدولية. فإيران تمتلك علاقات وثيقة مع روسيا والصين، لكن تلك العلاقات لم تؤد إلى تدخل عسكري مباشر عندما تصاعدت الأزمة.


ولهذا السبب يرى بعض الخبراء أن كيم قد يفكر مجددًا في التواصل مع ترامب، خاصة أن العلاقة بين الرجلين اتسمت بطابع شخصي غير مألوف في السياسة الدولية. فقد تبادلا الرسائل الودية خلال فترة المفاوضات، وتحدث ترامب علنًا عن إعجابه بالرسائل التي أرسلها كيم.


وخلال مؤتمر حزب العمال الكوري الأخير ترك كيم باب الحوار مفتوحًا بشكل محدود، إذ أكد إمكانية تحسين العلاقات مع واشنطن إذا اعترفت الولايات المتحدة بكوريا الشمالية دولةً نووية وتخلت عما تصفه بيونغ يانغ بالسياسة العدائية.


ولا يعرف أحد ما إذا كانت المفاوضات ستستأنف قريبًا. لكن الأحداث الدولية الأخيرة تدفع كيم إلى طرح سؤال أساسي: أي الخيارين أقل خطورة، التواصل مع ترامب أم الاستمرار في الصمت؟

 

https://edition.cnn.com/2026/03/07/asia/us-north-korea-iran-analysis-intl-hnk